قصة وصية


       حدث في يوم حار من أيام الصيف في بيروت. أننا
ثلاثة أولاد في العطلة الصيفية, وعلى موعد مع عمنا أبو جمال الذي كنا ننتظره دوما
وبفارغ الصبر ليصطحبنا الى البحر.

كنا في المعمل نبذل قصارى الجهد لننتهي من المهام
الملقاة على عاتقنا, شرطا اساسا قبل السماح لنا بالتمتع بالموج والسباحة بين صخور الأوزاعي .

الوقت يداهمنا والعرق يتصبب من جباهنا , أخي وابن عمي وأنا , نريد أن ننتهي وبأي شكل . لا يهم كيف نعمل وماذا,المهم أن يقتنع
والدنا بأننا انتهينا من العمل .

أصعب المهام كانت تنقية كمية من المحلب من الشوائب والقشر وطحن الحبات النظيفة . كانت المهمة في الحقيقة سهلة, ولكننا هنا في صراع مع الوقت , وأحلامنا في السباحة في بركة الجمال تطاردها حرارة الطقس وعقارب الساعة.

هنا إجتهدنا في إيجاد اسرع الحلول , وهو أن ننقي فقط جزءا
 من الكمية , ونطحن الباقي كما هو ونقدم الشوائب والحبوب السوداء والقشر , دليلا
على جودة عملنا . مع الأمل بأن لا يكتشف أحد نوعية ما طحناه.

إبتدأنا نشعر بالسعادة عندما بدا لنا أن الخطة سوف تنجح , وأننا على مشارف الذهاب الى الأوزاعي

. وعندما هممنا بوضع المحلب في الطاحونة ظهر جدنا عبيدو .

كان رحمه الله من آخر لابسي الطربوش والقمباز من الرجال
عندنا . وكان حسن المعشر , دمث الخلق وفي غاية اللطافة . ولكنه كان عند الحاجة شديد البأس
, عديم المهاودة . وأكثر ما كان يخيفنا منه , كانت عصاه التي يحملها في المعمل
إرهابا وعقابا . كانت العصا مشقوقة بالطول
.... وعندما تهوي على أحدنا كانت تصدر طقطقة عالية , لا يوازيها سوى صراخ المضروب .

"دعوني ارى "... لم يقل غيرها تهديدا ووعيدا
... فقد كانت جولاته على خطوات الإنتاج معروفة , وطريقته في الفحص والتدقيق , وكذلك
العقاب خصوصية شخصية .

لم يحتج الأمر اكثر من ثوان ... وضاع حلمنا في الذهاب
الى البحر . نظر جدي الينا نحن الثلاثة . وطلب الينا على غير العادة أن نجلس. وهنا
قال لنا ما لم انساه ما حييت .

 

" أنا اسمي عبيدو , وعلى كل الأكياس والعلب يوجد اسمي . وأنا لا اقبل أبدا إلا ان يكون اسمي نظيفاً وعنواناً للجودة.ولا ارضى أبدا ولا اريد لأي
منكم ان يرضى بأن يكون اسم عبيدو شيئا اقل
من ممتاز . هذا اسمي عبيدو , واسمكم أيضا الذي تحملوه . ولا اريد لي او لكم إلا ان
تكون الجودة في النوعية , والصدق في المعاملة , والإخلاص في العمل شروطا لحمل اسمي
ولنشره ."

 

     منذ ذلك
اليوم ونحن نحمل وصية جدنا عبيدو , نترحم عليه وندعو الله ان يوفقنا في تنفيذ
وصيته , لنحمل اسمه بجدارة,شكرا وفخرا.